الشعبوية العلمية: حين يتحول العلم إلى مادة للإثارة
في السنوات الأخيرة بدأ المحتوى العلمي العربي يشهد تحول واضحًا. لم يعد الهدف دائمًا شرح الفكرة العلمية أو تقريبها من الجمهور، بل أصبحنا أمام نوع جديد من المحتوى يقوم على الإثارة والانبهار وصناعة “الصدمة المعرفية”. عناوين من قبيل: “كل ما تعلمناه عن الثقوب السوداء خطأ”، “العلماء اعترفوا أخيرًا”، “النظرية التي ستدمر الفيزياء”، أصبحت جزءًا من المشهد اليومي في المنصات الرقمية.
المشكلة هنا ليست في تبسيط العلوم؛ فتبسيط المعرفة ضروري لأي مجتمع يريد نشر الثقافة العلمية. لكن الفرق كبير بين تبسيط العلم وبين تحويله إلى خطاب شعبوي يعتمد على دغدغة المشاعر أكثر من بناء الفهم.
الشعبوية العلمية لا تعني بالضرورة الكذب المباشر، بل تعني إعادة تقديم المعرفة العلمية داخل قالب عاطفي وسردي يفضل الإثارة على الدقة. تصبح النظرية العلمية أشبه بقصة صراع بين “الحقيقة المخفية” و”العلماء التقليديين”، ويُقدَّم صاحب المحتوى كأنه البطل الذي يكشف الأسرار التي أخفاها النظام المعرفي القديم.
في أحد الفيديوهات مثلًا يتم الحديث عن الثقوب السوداء وكأنها “كذبة كبرى”، بينما الواقع العلمي أكثر تعقيدًا بكثير. نعم، توجد نقاشات حول طبيعة التفرد داخل الثقب الأسود، وتوجد فرضيات بديلة مثل “الجرافاستار”، لكن هذا لا يعني أن الثقوب السوداء نفسها مجرد وهم. العلم لا يعمل بهذه الطريقة الدرامية التي تصور كل نقاش علمي على أنه انهيار كامل للمعرفة السابقة.
المثير للاهتمام أن هذه البنية الخطابية لا تخص العلوم فقط. يمكن ملاحظتها في الشعبوية السياسية والدينية وحتى في بعض محتوى التنمية الذاتية. دائمًا هناك:
- حقيقة قديمة يجب هدمها،
- نخبة أخطأت أو أخفت الحقيقة،
- ثم “كشف كبير” يعيد تفسير العالم.
إنها صيغة “الهدم من أجل إعادة البناء على الأنقاض”.
هذه الصيغة جذابة جدًا على المنصات الرقمية لأنها تخاطب الانفعال لا التفكير البطيء. الخوارزميات تكافئ المحتوى الذي يثير الصدمة والخوف والانبهار، وليس المحتوى الذي يشرح بهدوء وتعقيد. لذلك غالبًا ما يحقق فيديو بعنوان “الحقيقة المرعبة عن الكون” انتشارًا أكبر من شرح علمي رصين ودقيق.
لكن المشكلة الأعمق ليست فقط في المعلومات المغلوطة، بل في تغيير علاقة الجمهور بالمعرفة نفسها. بدل أن يتعلم المتلقي كيف تُبنى النظريات وكيف تُختبر وكيف تُراجع، يبدأ في استهلاك المعرفة كجرعات متتالية من “الفضائح العلمية”. ومع الوقت يصبح العلم في نظره مجرد ساحة دائمة لانهيار الحقائق والمؤامرات والتشكيك الشامل.
العلم الحقيقي أكثر تواضعًا من ذلك. لا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، لكنه أيضًا لا يتحرك عبر الانقلابات المسرحية المستمرة. النظريات العلمية لا تُهدم كل أسبوع، بل تتطور وتتوسع وتُراجع ضمن مسار طويل وتراكمي. نيوتن لم يصبح “كذبة” بعد أينشتاين، بل بقي صالحًا ضمن نطاق معين. والعلم لا يتقدم لأن الطبيعة “تخدعنا”، بل لأن أدواتنا تصبح أدق وفهمنا يصبح أعمق.
حتى الصور الحديثة للثقوب السوداء التي أثارت جدلًا واسعًا لم تكن صورًا فوتوغرافية مباشرة، بل إعادة بناء حسابية انطلاقًا من كم هائل من البيانات الراديوية. وهذا ليس خداعًا، بل جزء من طبيعة العلم الحديث الذي يعتمد على تحليل الإشارات والنماذج الرياضية لفهم ظواهر لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة.
المحتوى الجاد قد لا يصنع “البوز” نفسه الذي تصنعه فيديوهات الإثارة، لكنه يبني شيئًا أكثر أهمية: الثقة والفهم والقدرة على التفكير النقدي. أما المحتوى القائم فقط على الصدمة فيحقق غالبًا انفعالًا سريعًا واستهلاكًا سريعًا ثم يختفي، تاركًا وراءه جمهورًا مشبعًا بالدهشة وفقيرًا في الفهم.
لسنا بحاجة إلى قتل الدهشة في العلوم، فالكون مدهش أصلًا دون إضافات مسرحية. لكننا بحاجة إلى التمييز بين الدهشة التي تفتح باب البحث، والدهشة التي تتحول إلى أداة شعبوية لإدارة الانفعال الجماعي.
العلم لا يحتاج إلى أن يتحول إلى “فضيحة” حتى يصبح ممتعًا.
أُعدّ هذا المقال بمزيج من أفكار الكاتب ومساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي في التحرير.