هل "المُكوّن الغذائي" هو العدو
تناقلت وسائل الإعلام مؤخراً نتائج دراسة ضخمة نشرتها دورية الكلية الأمريكية لأمراض القلب، وأشرف عليها باحثون من جامعة هارفارد، تفيد بأن سر حماية القلب لا يكمن في "الحرب المستمرة" لتقليل الدهون أو خفض الكربوهيدرات، بل في "جودة" ما ننقله إلى أطباقنا. تتبعت الدراسة نحو 200 ألف شخص على مدار ثلاثة عقود، لتبدد ذلك الاختزال الشائع الذي قسّم عالم التغذية إلى معسكرين: معسكر يرى في الدهون شيطاناً مسبباً للانسدادات، وآخر يرى في الكربوهيدرات أصلاً لكل علّة. بيد أن القصة الأعمق هنا ليست مجرد نصيحة طبية جديدة تجاوزت الجدل التقليدي، بل هي قصة الطريقة المعرفية التي ندرك بها صحتنا، ولماذا نميل غريزياً إلى اختزال الأنظمة الحيوية المعقدة في "عدو واحد" يسهل تجنبه.
السياق الغائب والأبعاد الإدراكية
لفترة طويلة، عاش الوعي الجمعي الرقمي والثقافي داخل نموذج إدراكي يقوم على "التفكيكية الاختزالية". يميل العقل البشري، مدفوعاً بآليات علم النفس المعرفي، إلى البحث عن تفسيرات خطية بسيطة: (السبب "أ" يؤدي مباشرة إلى النتيجة "ب"). في عالم التغذية، تُرجم هذا الميل إلى البحث عن جزيء منفرد يحمل وزر الأزمات الصحية؛ تارة يكون الكوليسترول، وتارة يكون السكر. هذا الاختزال جعل من حميات الحرمان الصارمة (مثل التخلي التام عن الكربوهيدرات أو الشحوم) أفكاراً جذابة للغاية وقابلة للانتشار السريع عبر منصات التواصل.
ما تغفله هذه النظرة الاختزالية، وأعاد سياق دراسة هارفارد تقديمه، هو أن الجسم البشري لا يتعامل مع المغذيات كعناصر معزولة في أنبوب اختبار. إن خفض الدهون واستبدالها بكربوهيدرات مكررة ومصنعة (كالأطعمة منزوعة الدسم المليئة بالسكريات المضافة) لا يقل ضرراً عن الاعتماد على بروتينات حيوانية مشبعة ومصنعة بحجة اتباع حمية "منخفضة الكربوهيدرات". السياق الغائب هو "المنظومة الكاملة"؛ فالأمر بيولوجياً يتعلق بالجودة البنائية للمادة الغذائية، ومصدرها الطبيعي، وما تصحبه من ألياف، ومضادات أكسدة، وعناصر دقيقة تسلك مسارات كيميائية حيوية مشتركة داخل الجسم لتحسين المؤشرات الالتهابية وكفاءة الأوعية الدموية.
القصة وراء القصة: رؤية أوسع
إذا كانت الحقائق البيولوجية تشير دائماً إلى التعقيد والتكامل، فلماذا تنجح السرديات المتطرفة في الهيمنة على سوق الانتباه؟ تكمن الإجابة في اقتصاد المعرفة الرقمي الذي يتغذى على صناعة الهلع واليقين الزائف في آن واحد. إن تقديم نصيحة من قبيل "تناول غذاءً حقيقياً متنوعاً عالي الجودة" هي نصيحة باردة، تفتقر إلى الإثارة، ولا يمكن تحويلها إلى وسم (Hashtag) رائج أو كتاب رائد يَعِد بمعجزة شفائية خلال أيام.
في المقابل، فإن إعلان "الحرب" على مكون غذائي معين يصنع سردية ثنائية واضحة (خير مطلق ضد شر مطلق). هذه السردية لا تمنح القارئ شعوراً زائفاً بالتحكم الفوري في مصيره الصحي فحسب، بل تدعم أيضاً صناعات ضخمة قائمة على إنتاج بدائل غذائية مصنعة ومكتوب عليها "خالٍ من الدهون" أو "قليل الكربوهيدرات". لقد تحولت البيانات الطبية المعقدة في الفضاء الرقمي إلى سلع استهلاكية، تُجتزأ منها الأرقام لخدمة الانحيازات الإدراكية المسبقة، مما يجعلنا نعيش داخل فكرة أن "الجديد والمتطرف" في الحميات هو الأفضل دائماً، بدلاً من العودة إلى البديهيات الإنسانية المستقرة.
أين تقف الحقائق؟
تبين هذه الدراسة، مدعومة بتصريحات أطباء قلب بارزين مثل "هارلان كرومولز"، أن حدود المعرفة العلمية لا تدعم الانغلاق داخل قالب حمية وحيد. الحقائق المستخلصة تضع حداً للمفاضلة الوهمية بين الحميات؛ فالأشخاص الذين تناولوا أغذية منخفضة الكربوهيدرات لكنها مستمدة من مصادر نباتية كاملة (كالحبوب الكاملة، الخضروات، المكسرات، والزيوت الصحية)، أظهروا مؤشرات حيوية ممتازة وانخفاضاً في مخاطر أمراض القلب التاجية، تماماً مثل أولئك الذين اتبعوا حمية منخفضة الدهون شريطة أن تكون ذات جودة عالية وغير مصنعة.
الواقع العلمي يخبرنا أن المرونة الحيوية (Biological Flexibility) تمنح الإنسان خيارات متعددة لتأمين صحته؛ فالجسد يمتلك الكفاءة للتعامل مع الدهون والكربوهيدرات إذا وردت إليه بصورتها الطبيعية غير المشوهة بالصناعة المفرطة. الفارق الحاسم ليس في "الكم" أو النسبة المئوية للمُكوّن في جدول السعرات، بل في "البنية الإبستمولوجية" للغذاء نفسه: هل هو طعام حقيقي، أم مركب كيميائي مصنع يحاكي الطعام؟
تعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. لم لا تكن أول من يكتب تعليق؟