ظلال العلاج في الماء: هل تكشف مخلفات الأدوية المضادة للسرطان عن أزمة صامتة في الدورات المائية؟
يتعامل الفكر البيئي والمؤسسي التقليدي مع التلوث الدوائي بوصفه عبئًا طارئًا يمكن احتواؤه في محطات معالجة المياه القياسية، على افتراض أن المنظومات الهندسية الحالية قادرة على تفكيك الملوثات أو عزلها بالكامل. غير أن دراستين حديثتين أنجزهما باحثون من جامعة محمد الأول بمدينة وجدة المغربية تضعان هذا الافتراض موضع تساؤل: فقد رُصدت خمسة أدوية مضادة للسرطان (السيتوستاتيكية)، هي سيكلوفوسفاميد وإيفوسفاميد و5-فلورويوراسيل ودوكسوروبيسين وإيتوبوسيد، في المياه العادمة للمستشفى وفي مخارج محطات المعالجة وفي مياه جوفية، بتراكيز تراوحت بين نحو 5.9 و428.6 ميكروغرام في اللتر. وهذه أدوية صُمّمت لاستهداف الخلايا الحية وتعطيل بنيتها الجينية، ولا تختفي بانتهاء العلاج السريري. ويعكس حضورها ثغرة في تقدير المخاطر البيئية لمركبات تاريخية أُقرّت قبل عام 2006 دون تقييم بيئي صارم.
السردية الشائعة: وهم التطهير الهندسي
تقوم السياسات البيئية في كثير من الأحيان على منطق خطي مفاده أن مرور مياه الصرف عبر محطات المعالجة يكفي لتحييد مخاطرها. وهي مقاربة مطمئنة لأنها تعدّ المياه المعالجة منتجًا نهائيًا صالحًا لإعادة الاستخدام في السقي والري. لكن الدراستين تشيران إلى أن هذه المركبات ضعيفة القابلية للتحلل الحيوي، وأن قيم معامل الامتزاز (log Koc) المسجلة لها، وهي بين 0.90 و3.78، تقع دون العتبة التي تصنّف المركب «متحركًا» في الماء. لذلك قد تنفذ بقاياها من المعالجة التقليدية وتصل إلى الأوساط المستقبِلة. وتتوخى الدراسة الحذر هنا أيضًا: فارتفاع التراكيز في مخارج المحطات لا يثبت قصور المعالجة، لأن العينات لم تُؤخذ بصورة متزامنة قبل المعالجة وبعدها، وقياس الكفاءة يتطلب رصدًا مزدوجًا للمداخل والمخارج.
المتغير المخفي: المياه الجوفية وحلقة الري
يكمن العامل الغائب في تداخل شبكات الصرف مع الموارد المائية. فقد رُصدت بعض هذه الأدوية في بئر جوفية قريبة، وهو ما يشير إلى مساهمة محتملة للصرف الاستشفائي في تلوثها، وإن أقرّ الباحثون بأن بئرًا واحدة لا تكفي لتحديد المصدر دون عينات متكررة ودراسات هيدروجيولوجية. وتبرز مسألة أخرى هي إعادة استخدام المياه المعالجة في ري الخضروات، إذ رُصدت بعض هذه المركبات في مخارج المحطات المستعملة لهذا الغرض. وهذا يرسم مسارًا محتملًا من الماء إلى التربة فالنبات. وتشير تجارب مخبرية أخرى إلى أن نباتات صالحة للأكل امتصت دواءين من هذه الفئة في ظروف مضبوطة. غير أن الباحثين يؤكدون أن ذلك لا يثبت تلوث المحاصيل المحلية ولا تعرّض الإنسان لخطر، وأنه يستدعي تحاليل مستهدفة لمياه الري والتربة والأنسجة النباتية.
إعادة التركيب: من السمية التقليدية إلى التأثيرات الجينية
تقتضي معالجة التلوث الدوائي تجاوز المؤشرات التقليدية كالنمو والبقاء والتكاثر. فبحسب الأدبيات التي استندت إليها الدراسة الثانية، قد يحدث تلف في الحمض النووي (DNA) عند تراكيز أدنى من تلك التي تؤثر في هذه المؤشرات. وبتطبيق مقاربة مستلهمة من توجيهات الوكالة الأوروبية للأدوية لعام 2024، أظهرت الدراسة أن مؤشرات الخطر المزمن المحسوبة للطحالب والقشريات بلغت مستويات «مرتفعة جدًا» لبعض المركبات، وهيمن عليها 5-فلورويوراسيل، وأن مؤشرات الفرز الجيني تجاوزت العتبة (≥1) لمعظم المركبات. وهي مؤشرات استكشافية ترصد إشارات تستحق المتابعة، ولا تثبت وقوع ضرر وراثي أو بيئي فعلي. وبالمثل، تعكس نتائج الخليط الدوائي قلقًا تراكميًا في ظل افتراض الإضافية، دون ما يدل على تآزر بين المركبات.
ويتجاوز هذا النقاش حدود الرقابة المحلية. فالمغرب لا يملك حاليًا تشريعًا خاصًا بمخلفات الأدوية في الماء، إذ يكتفي بقوانين بيئية عامة (القانون 11-03) لا تضع حدودًا لهذه الملوثات الناشئة. وحين تصبح المستحضرات الصيدلانية جزءًا مقيمًا في الدورة المائية، يصبح الانتقال من «رصد المخاطر» إلى «الإدارة الاستباقية» ضرورة، بالبدء برصد مستهدف للمصادر ومياه الري، ثم دمج اختبارات السمية الجينية تدريجيًا في معايير تقييم الأدوية ومنظومات المراقبة الوطنية.
تعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. لم لا تكن أول من يكتب تعليق؟