حين ينبض الكون بلا ساعة: إعادة تفكير في أصل الزمن من المختبر

نوفمبر 01, 2026
تجسيد بصري لتجربة خلق كون مصغر من الذرات الباردة وعلاقته بنشوء الزمن

تتعامل العقلية البشرية مع الزمن باعتباره الإطار الثابت والمطلق الذي تقع فيه الأحداث؛ عقارب الساعة تدور، والكواكب تدور حول نجومها، والكون يتقدم بخطى حتمية نحو الأمام. غير أن هذا الافتراض البديهي طالما شكل عقدة مستعصية في الفيزياء الحديثة، ولا سيما عند محاولة توحيد ميكانيكا الكم بالنسبية العامة. ففي بعض صيغ الجاذبية الكمومية، مثل معادلة ويلر–ديويت (Wheeler-DeWitt)، يوصف الكون ككل بحالة كمومية واحدة غير متغيرة، بلا «ساعة خارجية» تقيس دقاته [2]. فمن أين يأتي التتابع الذي تنظّم به الطبيعة أحداثها؟ هل الزمن حقيقة جوهرية قائمة بذاتها، أم ينبثق من تغيرات النظام ذاته؟

الكون في مختبر: 24 ألف ذرة في نموذج مبسط للتمدد والانكماش

في تجربة لافتة، بنى جيوفاني بارونتيني (Giovanni Barontini)، أستاذ الفيزياء في جامعة برمنغهام (University of Birmingham)، نظامًا كموميًا من نحو 24,000 ذرة روبيديوم مبرَّدة إلى بضعة أجزاء من المليار من الدرجة فوق الصفر المطلق [1][2]. وقسّم الباحث النظام، المعزول عن محيطه، إلى منطقتين بحاجز رقيق من شعاعي ليزر: منطقة «مرصودة» (مضيئة) وأخرى «غير مرصودة» (مظلمة)، تتبادل الذرات بينهما [2]. وخضعت المنطقة المرصودة لدورات متكررة من التمدد والانكماش، تشبه في صيغة مبسطة «الانفجار العظيم» (Big Bang) و«الانسحاق العظيم» (Big Crunch)، وهو مصير افتراضي للكون ينعكس فيه التمدد. ولا تعيد التجربة هذين الحدثين فعليًا، بل توفر نموذجًا كموميًا مبسطًا يتيح اختبار كيفية إعادة بناء تتابع الأحداث دون ساعة خارج النظام [2]. وقد نُشرت النتائج في ورقة بدورية (Physical Review Research) في يونيو 2026 [1].

السردية الشائعة: هل اخترعنا "كونًا" أم فهمنا آلية الساعة؟

كعادة التغطيات الإعلامية للعلوم المتقدمة، سارعت العناوين إلى صياغة الخبر بصيغة مثيرة: «الفيزيائيون يخلقون كونًا مصغرًا ويشاهدون الزمن ينبثق بلا ساعة». وهذه السردية تحول «نظامًا كموميًا معزولًا ومضبوطًا بعناية قرب الصفر المطلق» إلى صورة توحي بأن العلماء أوجدوا واقعًا بديلًا. ويذهب بعض العناوين أبعد، فيعلن أن التجربة «أثبتت أن الزمن وهم»، والمصدر نفسه ينفي ذلك صراحة: فالتجربة لا تثبت أن الزمن وهم، ولا أن كوننا بلا زمن أساسي، بل تثبت ما كان صعب الاختبار سابقًا: أن النظام الكمومي يمكن أن يمتلك مقياسًا داخليًا ذا معنى للزمن دون الاعتماد على ساعة خارجية [2]. وبعبارة الباحث نفسه، هذا «أول دليل تجريبي مضبوط» على أن الزمن يمكن تعريفه بتغيرات داخل النظام لا بـ«ساعة تدق» خارجه [2]. والفارق الفلسفي جوهري: ما رُصد نموذج عمل لزمن «علائقي»، لا حكمًا على طبيعة الزمن في كوننا.

المتغير المخفي: الإنتروبيا بوصفها ساعة

يكمن المفتاح في الإنتروبيا (Entropy)، وهي مقياس لانتشار الجسيمات والطاقة أو لاضطرابها. فبدل الثواني والدقائق، تتبّع بارونتيني تغير توزيع الذرات في المنطقة المرصودة، واعتمد على إنتروبيا «خشنة» (Coarse-grained) معرّفة تجريبيًا لبناء ما سماه «الزمن الإنتروبي» (Entropic time) [1][2]. وتبيّن أن هذا الزمن يسير في اتجاه واحد، فيحدد «سهم الزمن»، ويرتّب الأحداث في تتابعها الصحيح رغم تناوب التمدد والانكماش [1][2]. وأبرز ما لوحظ أنه لا يتقدم بمعدل ثابت: فهو يتسارع أو يتباطأ بحسب تغير الإنتروبيا، ويتوقف حين لا يتغير توزيع الذرات [2]. لكن الأمر لا يعني أن الزمن «توقف» في المختبر؛ فالمقصود أن المتغير الداخلي المبني من الإنتروبيا لم يعد يتقدم، بينما بقي الزمن المخبري قابلًا للقياس خلال هذه التوقفات [2][3]. وهكذا لا تثبت التجربة أن «اللحظة» أثر جانبي للتغير المادي في الكون، بل تبيّن أن في نظام كمومي مضبوط يمكن بناء مقياس زمني داخلي متسق مع الديناميكا المرصودة.

إعادة التركيب: ما الذي يتبدل في فهمنا للواقع؟

لا تعني هذه النتائج أننا نستطيع الاستغناء عن الزمن في معادلاتنا، ولا تشكل قطيعة مع النسبية العامة. لكنها تضيف اختبارًا عمليًا لفكرة كانت نظرية بحتة: فقد بيّن بارونتيني أن صيغة من معادلة شرودنغر (Schrödinger)، حجر أساس ميكانيكا الكم، يمكن كتابتها بدلالة الزمن الإنتروبي، وأنها تُنتج، بحسب المحاكاة، سلوكًا يتفق مع ما فعلته الذرات [2][4]. أي أن المقياس الداخلي للزمن يصلح للتنبؤ بسلوك النظام كما يصلح الزمن المعتاد [2]. وتأمل الدراسة توسيع هذا النهج إلى أنظمة كمومية أعقد، لاختبار نماذج أخرى للانفجار العظيم والانسحاق العظيم، وربما جوانب من الثقوب السوداء، أو للتمييز بين تفسيرات متنافسة لنشوء الزمن [2]. وحدود هذه النتيجة واضحة: تجربة واحدة، بنظام مبسط وبورقة بحثية بمؤلف واحد، لا تحسم السؤال القديم عن طبيعة الزمن، لكنها تمنحنا أداة جديدة لمقاربته تجريبيًا.

  1. Barontini, G. (2026). Testing the problem of time with cold atoms. Physical Review Research, 8, L022047. DOI: 10.1103/1h9j-df4k.
  2. University of Birmingham, "Physicists created a tiny universe and watched time emerge without a clock", ScienceDaily, October 30, 2026.
  3. Brighterside News. "Scientists created a 'mini universe' that measures time without a clock".
  4. ScienceBlog. تغطية لدراسة بارونتيني (DOI: 10.1103/1h9j-df4k).
أُعدّ هذا المقال بمزيج من أفكار الكاتب ومساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي في التحرير.

مقالات قد تعجبك

جاري تحميل المقالات ذات الصلة...